الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا
تشهد مسقط حراكاً دبلوماسياً استثنائياً؛ فالطلب الإيراني الأخير بنقل المفاوضات مع الجانب الأمريكي من إسطنبول إلى مسقط ليس مجرد تغيير للمكان، بل هو رغبة في العودة إلى "الغرف المغلقة" التي تتقن عُمان إدارتها بعيداً عن صخب الإعلام التركي.
يبدو أن إيران لم تكن لتفضل التفاوض على أرض منافسها الطبيعي (تركيا)، لدرجة أنها قدمت محفزات إلى الجانب الأمريكي لقبول نقل المباحثات إلى سلطنة عُمان، تشمل استعدادها لمناقشة الملف النووي والتوصل إلى حلول وسط. إذن، الأجواء التي تدور فيها المفاوضات لا تقل أهمية عن المضمون إن لم تكن تسبقه. واختيار عُمان له أسباب منطقية وسياسية؛ فهي تُعتبر "الخيار المفضل" والمريح للإيرانيين وكذلك للأمريكيين في جولات التفاوض المعقدة. وهذا لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم تاريخي وسياسي فريد يجمع بين "الوفاء للماضي" و"براجماتية الحاضر".
فهي وقبل كل شيء تتمتع بالحياد الإيجابي؛ فعلى عكس بعض الأطراف التي قد تنقل الرسائل بضغط أو انحياز، تتبنى عُمان مبدأ "صديق الجميع، وعدو لا أحد". يثق الإيرانيون في مسقط لأنها لا تسعى لفرض أجندات إقليمية تصادمية، ولا تستخدم ملف المفاوضات ورقة ضغط لتحقيق مكاسب خاصة، فضلاً عن التزامها بسرية مطلقة، وهو ما يفضله الإيرانيون في "الدبلوماسية الخلفية".
وفوق ما سبق، فإن عُمان وإيران تتشاركان في الإشراف على مضيق هرمز، الممر المائي الأهم عالمياً لنقل النفط. هذا الجوار يفرض تعاوناً تقنياً وأمنياً مستمراً، مما خلق لغة تفاهم مشتركة بين البلدين تتجاوز الملفات السياسية الشائكة.
أيضاً لا يمكن إغفال النجاحات السابقة التي زادت من رصيد الثقة لدى الطرفين في الدولة الخليجية؛ فالاتفاق النووي (2015) بدأت لقاءاته السرية بين طهران وواشنطن في مسقط عام 2011، كما نجحت عُمان مراراً في التوسط للإفراج عن معتقلين إيرانيين وغربيين.
باختصار: بالنسبة لإيران، عُمان ليست مجرد وسيط، بل هي "جار عاقل" يحترم السيادة ويفهم هواجس طهران الأمنية، مما يجعل الجلوس على طاولة المفاوضات في مسقط أقل توتراً من أي مكان آخر. وبالنسبة لواشنطن، فإن عُمان تفضل العمل بعيداً عن الأضواء والضجيج الإعلامي؛ هذا الأسلوب يروق لواشنطن، خاصة في المراحل الأولى والمعقدة من التفاوض التي تتطلب سرية تامة لضمان عدم إفشال الجهود من قبل المعارضين الداخليين أو الإقليميين.
وهي سبق ولعبت دوراً حيوياً في منع انفجار المنطقة بسبب هجمات الحوثيين. فبعد موجة الضربات المتبادلة في 2025 (ما عُرف إعلامياً بـ "الحرب الـ 12")، تقود عُمان حواراً "أمنياً صامتاً" لضمان عدم استخدام القواعد العسكرية في المنطقة لضرب إيران، مقابل تعهدات إيرانية بحماية أمن الملاحة. ونجحت الوساطة العُمانية في مايو 2025 في التوصل لاتفاق تهدئة بين واشنطن والحوثيين، أدى لتوقف الغارات الأمريكية مقابل وقف استهداف السفن (باستثناء المرتبطة بإسرائيل). وحتى الآن، تعمل مسقط على ضمان استمرار هذا الاتفاق الهش ومنع إيران من دفع الحوثيين نحو تصعيد قد يجر المنطقة لحرب شاملة.
والخلاصة أن الجميع ينظر إلى "قصر العلم" في مسقط كبديل أكثر هدوءاً وخصوصية من العواصم الأوروبية، حيث يفضل المفاوضون العُمانيون "النتائج" على "المؤتمرات الصحفية". الاتفاق الذي يتم صياغته الآن ليس نسخة من اتفاق 2015 (JCPOA)، بل هو "أكثر شمولاً" من منظور إدارة ترامب، و"أكثر واقعية" من منظور طهران؛ إذ يتضمن مبدأ "التجميد مقابل التخفيف"، أي تجميد إيران لتخصيب اليورانيوم عند مستويات عالية (60% فما فوق)، ونقل أجزاء كبيرة من مخزون اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة (يُرجح أن تكون سلطنة عُمان أو قطر كطرف وسيط) تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل تخفيف العقوبات الذي يشمل رفعاً تدريجياً للقيود المفروضة على قطاع الطاقة والبنك المركزي الإيراني، مع "ضمانات تنفيذية" يقرها الكونجرس الأمريكي لضمان استمرارية الاتفاق.
هناك نقطتان جديدتان تم إدراجهما في جولات مسقط الأخيرة؛ الأولى: ملف الصواريخ الباليستية، حيث تضغط واشنطن لوضع سقف لمدى الصواريخ الإيرانية بحيث لا يتجاوز 2000 كم، وهي النقطة الأكثر تعقيداً التي يرفض عراقجي مناقشتها كجزء من "حقوق الدفاع". والثانية: الإشراف الإقليمي، حيث يوجد مقترح بإنشاء "كونسورتيوم نووي إقليمي" تحت إشراف دولي، يضمن حق إيران في الطاقة السلمية مع طمأنة دول الجوار.
لكن الصورة أيضاً ليست وردية؛ فرغم "الأجواء الودية"، لا تزال هناك عقبات تتمثل في انعدام الثقة. إيران تطلب "ضمانات قانونية" لا يمكن لترامب إلغاؤها بقرار تنفيذي (وهنا يأتي دور عُمان كضامن سياسي). وميدانياً، فإن حوادث اعتراض المسيرات الإيرانية فوق حاملات الطائرات الأمريكية في بحر العرب ترفع سقف التوتر وتصعّب مهمة المفاوضين.
نظرة إيران للمحادثات ليست متفائلة ولا متشائمة؛ فهي تعتبر أن التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي سيدفع ترامب إلى التخلي عن فكرة الحرب. وفي حال التوصل إلى اتفاق، فمن المرجح أن يمنع إسرائيل من شنّ ضربات على منشآت تخزين الصواريخ الإيرانية. أما في إسرائيل والولايات المتحدة، فإن التقييم هو أن فرصة التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية ضئيلة للغاية إن لم تكن معدومة.
ويبقى أن نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم أيضاً إجراء مفاوضات جادة وموجهة نحو تحقيق نتائج أم لا. وبعيداً عن السياسة وأجواء التفاوض، فإن ترامب المغرم بغطرسة القوة يسعى إلى إنهاء المشهد مع إيران بخطوة عسكرية على غرار ما حدث في فنزويلا إرضاءً لإسرائيل، لكن عليه أن يتذكر أن نتنياهو الذي أباد غزة عن بكرة أبيها لم يحصل على رهائنه وقتلاه إلا بالتفاوض مع حماس.